إقتصادية
أخر الأخبار

القاضي أحمد أبو منصر.. حين يتحول القانون من مظلة للعدالة إلى هاجس يطارد المستثمرين

الشاهد برس| صنعاء.
ليس أخطر على الاقتصاد من أن يشعر رجل الأعمال بأن الاستثمار في بلده أصبح مخاطرة قانونية لا تقل خطورة عن المخاطر التجارية نفسها.

فالقطاع الخاص لا يطلب امتيازات فوق القانون ولا يريد حصانة من المساءلة لكنه يريد شيئًا أكثر بساطة: قانونًا واضحًا، وإجراءات عادلة، وسرعة في الفصل وضمانات تمنع تحول الخلافات التجارية إلى أزمات تستنزف الأموال والسمعة والوقت.

ومن هنا تتصاعد انتقادات وشكاوى من بعض التجار ورجال الأعمال بشأن طريقة التعامل مع قضاياهم أمام بعض الجهات القضائية، ومن بين الأسماء التي تثار حولها هذه الانتقادات القاضي أحمد أبو منصر، رئيس نيابة استئناف شمال أمانة العاصمة.

والقضية هنا ليست في شخص القاضي بقدر ما هي في أثر الممارسة القضائية على بيئة الاستثمار.. فحين يدخل التاجر إلى أروقة النيابة ينبغي أن يكون مطمئنًا إلى أن القضية ستُفحص وفق القانون والأدلة لا أن يشعر بأن نشاطه التجاري أصبح عبئًا قد يعرّضه للتوقيف أو التعطيل أو استنزاف طويل في الإجراءات التعسفية.

والأخطر أن رجل الأعمال لا يتحمل وحده تكلفة أي إجراء طويل فخلف كل تاجر موظفون وموردون وعمال ومستحقات ورأس مال وسلاسل توريد وأحيانًا استثمارات بملايين الريالات.. وعندما يتعطل صاحب المشروع تتعطل معه مصالح آخرين.

هنا تحديدًا يجب أن تُطرح الأسئلة الصعبة:
هل تُراعى طبيعة المنازعات التجارية عند التعامل معها جنائيًا؟
هل يجري التفريق بوضوح بين الجريمة التجارية والخلاف التجاري من جهة والفصل بين القضية، وولاء وانتماء التاجر من جهة آخر؟
هل تُستخدم الإجراءات الاحترازية بالقدر الضروري والمبرر قانونًا؟
وهل يحصل التاجر على فرصة كافية لعرض دفاعه ووثائقه قبل أن تتحول القضية إلى أزمة شخصية تهدد نشاطه وتعرض رأس ماله للخطر؟.. هذه الأسئلة ليست دفاعًا عن المخالفين للقانون بل هي دفاع عن هيبة القانون نفسه.

فالنيابة القوية ليست التي تكثر فيها القضايا ضد رجال الأعمال وإنما التي تنجح في الوصول إلى الحقيقة بأقصر طريق قانوني وتحمي حقوق الدولة والأفراد معًا وتمنع الجريمة دون أن تجعل النشاط الاقتصادي يعيش تحت هاجس الخوف.

ومن الإنصاف أيضًا الإشارة إلى أن ما هو منشور رسميًا عن القاضي أبو منصر يتضمن نشاطًا في متابعة أوضاع السجون والتوجيه بالإفراج عن سجناء مستحقين وفق الإجراءات القانونية وهو ما يعني أن تقييم أدائه لا ينبغي أن يتوقف عند نشاط إنساني اويبنى على انطباع واحد أو شكوى منفردة.. بل يجب مراقبة وتقييم أدائة في التعامل مع القضايا الاقتصادية الحساسة التي تمس القطاع الخاص وتهدد مستقبل رجال الاعمال.

لكن إذا كانت هناك بالفعل شكاوى متكررة من تجار ومستثمرين بشأن إجراءات أو ممارسات بعينها فإن الحل ليس تجاهلها ولا تحويلها إلى معركة شخصية وإنما فتحها أمام التفتيش القضائي والجهات المختصة والتحقق منها بالملفات والوثائق.

فالعدالة لا تخشى التدقيق والقاضي الذي يعمل وفق القانون ينبغي أن يكون أول المستفيدين من مراجعة أي ادعاء يمس نزاهة الإجراءات.. أما إذا ثبت أن بعض الإجراءات تؤدي إلى تعطيل مصالح المستثمرين دون ضرورة قانونية فإن معالجة الخلل تصبح واجبًا مؤسسيًا لأن الاقتصاد اليمني لا يحتمل المزيد من العوائق.

رأس المال بطبيعته “جبان”.. فعندما يشعر المستثمرون بوجود بيئة قانونية معقدة أو غير متوقعة تزداد احتمالية خروجهم للبحث عن بيئات استثمارية خارجية توفر حماية ومرونة أعلى.

اليمن اليوم بحاجة إلى رأس المال المحلي وبحاجة إلى التجار والصناعيين والمستثمرين وبحاجة إلى بيئة إستثمارية يشعر فيها صاحب المشروع أن القانون يحمي أمواله كما يحاسب على مخالفاته.

فالرسالة التي يجب أن تصل إلى القطاع الخاص ليست: احذر من القانون وإنما: ثق بالقانون والتزم به وستجد العدالة إلى جانبك.. وإذا فقد المستثمر هذه الثقة فلن تكون المشكلة في تاجر غادر أو مشروع أُغلق بل في اقتصاد يخسر تدريجيًا رأس ماله وثقة أصحابه.

ولهذا فإن المطلوب ليس مواجهة القضاء بالقطاع الخاص ولا القطاع الخاص بالقضاء بل بناء معادلة واضحة: قضاء مستقل ونزيه + إجراءات عادلة وسريعة + حماية للحقوق + بيئة استثمار آمنة = اقتصاد قادر على البقاء والنمو.

أما تحويل الخلاف حول أداء شخص أو جهة إلى اتهام مطلق من دون وثائق وملفات وأحكام أو قرارات قابلة للفحص فلن يخدم العدالة ولا القطاع الخاص.. فالمعيار الحقيقي في نهاية المطاف يجب أن يكون واحدًا: القانون لا الأشخاص.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى